الفيض الكاشاني

23

مجموعة رسائل

* وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ * كِتابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ » ( « 1 » ) ؛ وذلك لأنّ أرواحهم من جنس الألواح العالية والصّحف المكرّمة المرفوعة المطهّرة بأيدي سفرةٍ كرامِ بررةٍ . كما قال مولانا الصّادق ( ع ) : « إِنّ اللهَ ( عز وجل ) خَلَقَ النّبِيينَ مِنْ طِينَةِ عِلّيينَ قُلُوبَهُمْ وَأَبْدَانَهُمْ ، وَخَلَقَ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ تِلْكَ الطّينَةِ ، وَجَعَلَ خَلْقَ أَبْدَانِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ دُونِ ذَلِك » ( « 2 » ) . وأصحاب الشمال هم الأشقياء ومعلوماتهم خيالات فاسدة وأوهام جرمية وأعمالهم

--> ( 1 ) - المطفّفين : 18 - 21 . ( 2 ) - الكافي : 2 / 2 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب طينة المؤمن والكافر ، ح 1 ؛ روى عن عليّ بن الحسين ؛ قال المؤلّف في ( الوافي : 3 / 26 - 27 ) : « « الطينة » الخلقة والجبلّة ؛ و « علّيّين » جمع علّيّ أو هو مفرد ويعرب بالحروف والحركات ، يقال للجنّة والسماء السابعة والملائكة الحفظة الرافعين لأعمال عباد الله الصالحين إلى الله سبحانه ، والمراد به أعلى الأمكنة وأشرف المراتب وأقربها من الله ، وله درجات كما يدلّ عليه ما ورد في بعض الأخبار الآتية من قولهم « أعلى علّيّين » وكما وقع التنبيه عليه في هذا الخبر بنسبة خلق القلوب والأبدان كلّيّهما إليه مع اختلافهما في الرتبة ، فيشبه أن يراد به عالم الجبروت والملكوت جميع‌ذ اللذين فوق عالم الملك ، أعني عالم العقل والنفس . وخلق قلوب النبيّين من الجبروت معلوم لأنّهم المقرّبون . وأمّا خلق أبدانهم من المكوت ، فذلك لأنّ أبدانهم الحقيقيّة هي التي لهم في باطن هذه الجلود المدبّرة لهذه الأبدان ، وإنّما أبدانهم العنصريّة أبدان أبدانهم لا علاقة لهم بها ، فكأنّهم وهم في جلابيب من هذه الأبدان قد نفضوها وتجرّدوا عنها لعدم ركونهم إليها وشدّة شوقهم إلى النشأة الأخرى ولهذا نعّموا بالوصول إلى الآخرة ومفارقةهذا الأدنى ؛ ومن هنا ورد في الحديث : « الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر » ، وتصديق هذا ما قاله أمير المؤمنين في وصف الزهّاد : « كَانُوا قَوْماً مِنْ أَهْلِ الدّنْيَا وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِهَا ، فَكَانُوا فِيهَا كَمَنْ لَيْسَ مِنْهَا ، عَمِلُوا فِيهَا بِمَا يُبْصِرُونَ ، وَبَادَرُوا فِيهَا مَا يَحْذَرُونَ ، تَقَلّبُ أَبْدَانُهُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِ الْآخِرَةِ ، يَرَوْنَ أَهْلَ الدّنْيَا يُعَظّمُونَ مَوْتَ أَجْسَادِهِمْ وَهُمْ أَشَدّ إِعْظَاماً لِمَوْتِ قُلُوبِ أَحِيَائِهِم » . وإنّما نسب خلق أبدان المؤمنين إلى ما دون ذلك لأنّها مركّبة من هذه ومن هذه ، لتعلّقهم بهذه الأبدان العنصريّة أيض‌ذ ما داموا فيها » .